أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
320
قهوة الإنشاء
تنزيل من رب العالمين ويأبى اللّه أن يمسهما إلا المطهرون . فأقلل به إنسانا كفر الدين والنعمة فقطع دابره لمّا أكثر دبره ، وتلت سيوف الانتقام عند قتله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ « 1 » . وما خفي عن العلوم الشريفة أن الملك الناصر طلبه وهو في سجن المقام المرحومي بدمشق المحروسة فمنّ عليه بالعتق . ومعلوم أن ولاء المعتقين من الردى يفوق ولاء المعتقين من الرقّ ، فنسي ذلك ولم يحرّك به لسانه ولا ذكره . وكان قد أعدّ له سيوفا تسطر « 2 » له على صفحات صدور التركمان تذكره . فعلم اللّه صدق النيتين الشريفتين فقصمه بسيوف القدرة وكانت لإقامة الحدّ عليه إمضاء ، والتقمته أفواه الأرض وزادت عليه بأنياب صخورها عضّا . وعمّ الفرح بعود سلطانيه إلى قوة سلطان المقام ، وقالت دار الإسلام لأهلها : « السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته أبشروا فقد رفع منار الإسلام » ، وتحركت عيدان المنابر وسكنت ألسن النواقيس خرسا وهدمت البيع والصوامع ، وانتصرت المستنصرية وكبر الجامع المنصوري لهذه النصرة وعلم أنّ المقام الشريف لشمل ما تفرق من الدين جامع ، وانتظم شمل العراقين نظما شرع كل من المسلمين في تقريظه وأطنب ، وكتب هذا النظم في الديوان الشريف وكيف لا وهو من المرقص والمطرب أطرب . ولما هبّت نسمات القرب من الأداغ « 3 » صبا إليها كل قلب وعلمنا أنها نسمات قبول ، فحصل الطرب لنفسها الطيب لما جاء وهو بتشبيب المحبة موصول . وقالت الفراة إنها الواسطة لنظم هذا العقد الذي لو أدركه ابن عبد ربه نثر عليه عقده ، وأعربت الدجلة والنيل عن التركيب المزجي بسلاف المودة ، واللّه تعالى يجعله بالممالك الشرقية محرابا لقيام « 4 » الدين الحنيفي وقبله . ولم نجد في حسن الختام على ما خوّله اللّه من النّصرة والتمليك بأعظم من « الحمد للّه » « 5 » .
--> ( 1 ) سورة عبس 80 / 17 . ( 2 ) سيوفا تسطر : طب : سيوفنا تسطر ؛ ها : سيوفا تصدر . ( 3 ) كلمة تركية تعني بالعاميّة : الأوضة غرفة ، منزل ، معسكر ( جيش ) . ( 4 ) لقيام : طب : بإقامة ؛ ق ، تو : يقام . ( 5 ) أضافت قا الاستثناء .